الشيخ علي المشكيني
284
رسائل قرآنى
على تأليف كتاب في الطبّ مثل القرآن ، وأنّ الهيئيّين لا يقدرون على مثل القرآن في فنّ الهيئة ، وكذلك أهل الحساب والهندسة وغيرها ؛ فإنّك قد عرفت أنّ هذا الكتاب لم يوضع في تلك الموضوعات ، بل ولم يذكر فيها شيء من بعض العلوم والصنايع ، كفنّ الكتابة والخطّ والخياطة وصنعة الكهرباء والسيّارة والطيّارة والقاطرة ونظائرها . بل المراد أنّ هذا الكتاب موضوع لأجل غرض خاصّ ، وهو هداية الناس هداية كاملة جامعة ذات أبعاد وجوانب كما ذكرنا . وقد وقع فيه في طريق اثبات ذلك الغرض وتنفيذه ونشره استدلالات واستشهادات ، وتعرّض لعلوم ، وتكلّم عن فنون ، وإخبار عن الغيب ؛ فينادي هذا الكتاب بأصرح بيان وأبين منطق بأن أيّ طائفة أو امّة قدرت على وضع مثله بهذا الكيفيّة في هذا الغرض أو في غرض آخر مع إلغاء مقصوده بهذا المنوال من الدقّة والعمق والرصانة والكمال ، مقروناً بمثل ما فيه من الشواهد والبيّنات فلتأت به ؛ بل لو اجتمعت الطوائف من الإنس والجنّ على ذلك لم يقدروا ولن يقدروا على ذلك . ثمّ إن من عجيب أمر هذا الكتاب البحث والخوض في مسائل عدّة من العلوم الماديّة والمعنويّة ، وإظهار النظر فيها ، والإخبار الجازم والحكم والقضاء في مسائلها الدقيقة ، بنحو لا يمكن إلّامن الحاذق الماهر المطلّع على ذلك العلم المتدرّب المتضلّع في ذلك الفنّ ، ومن المعلوم عدم تأتّي هذا الأمر من غير الواجب تعالى ، ومن الإنسان الذي لو كان ماهراً في فنّ كان ناقصاً في آخر ، ولو كان بصيراً متضلّعاً في علم كان جاهلًا عاجزاً عن الدخول في آخر ؛ فيعلم من ذلك أنّ من وضع هذا الكتاب وضعه وألّفه موجودٌ عالم بصير بجميع الحقائق الكونيّة ، شاهدها وغائبها ، ماضيها ومستقبلها ؛ فليس هو إلّاالملك الحيّ القيّوم عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال . الأمر الواحد والعشرون : هو كتاب أنزله اللَّه للثقلين الإنس والجنّ ، ولا يختصّ بالإنس فقط . قال تعالى : وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْ إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى